عبد الملك الخركوشي النيسابوري
124
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وعن ابن مسروق قال : كان أبى يقول : إن المخافة قبل الرّجاء ، فإن اللّه تعالى خلق جنّة ونارا ، فلن تخلصوا إلى الجنّة حتى تمرّوا على النار . وقال أبو جعفر بن غيلان : الخوف والرجاء لا يسكنان قلبا فيه كبر . وقال ذو النون : ينبغي أن يكون الخوف أبلغ من الرجاء ، فإذا غلب الرجاء تشوش القلب . وكان أبو الحسين الضرير يقول : علامة السعادة خوف الشقاوة ؛ لأن الخوف ذمام بين اللّه وبين عبده ، فإذا انقطع ذمامه هلك مع الهالكين . وقال الواسطي : حقيقة الخوف تظهر عند الموت . وقال الثوري : الخائف يهرب من ربه إلى ربه تبارك وتعالى . وقيل في قوله عزّ وجلّ حكاية عن أيوب عليه السلام حيث قال : مَسَّنِيَ الضُّرُّ أن معنى الضر هاهنا خوف القطيعة . وقال أبو عثمان : الخوف من عدله ، والرجاء من فضله . ودخل بعضهم على رابعة رحمها اللّه فرآها تقطع بأسنانها قطعة لحم ، فقال لها : ما لك سكين تقطعين بها شيئا ، فقالت : إنّ خوف القطيعة لم يدع في دارى آلة القطع . وقال ذو النون بن إبراهيم : قلت لعليم : لم سميت مجنونا ؟ ، قال : لما أطال حبسى عليه صرت مجنونا لخوف فراقه . وقال أبو الحسين الوراق : إذا تحقق العبد في الخوف من ربّه تبارك وتعالى يهيج الرجاء في قلبه ، وإذا تحقق الرّجاء في قلبه هيّج الخوف منه . وقال ذو النون : إن المحب للّه تعالى لا يسقى كأس المحبّة ، إلا من بعد أن ينضح الخوف قلبه ، فإنما خوف النّار عند خوف الفراق بمنزلة قطرة قطرت في بحر لجّى ، ولا أعلم شيئا أحمد للقلب من خوف الفراق . وسئل الجنيد عن الخوف ، فقال : تعلّق القلب بتوقع العقوبة ، مع مجارى الأنفاس . وقال شاه الكرماني : الخوف الواجب هو من تقصيرك في حقوق ربّك . وقال الفضيل : من خاف اللّه تعالى كل لسانه . وقال : ما رأيت رجلا أعظم رجاء لهذه الأمة ، ولا أشد على نفسه خوفا من ابن سيرين .